PrintEmail
هذا هو العراق: بلاد (الآمال المجهضة)
تاريخ النشر : 29-01-2009
المصوتين :0
النتيجة :0

الإلياذة تدور أحداث الملحمة خلال خمسة عشر يوما من حصار طروادة الذي أستمر عشر سنوات كما يروي هوميروس. وتبدأ الملحمة بنوبة غضب تصيب البطل اليوناني أخيل، بسبب إستيلاء قائد الجيوش اليونانية اغاممنون على غنيمته الحسناء بريسيس، مما يدفع أخيل لأن ينسحب من مواقع القتال مع جيشه، مهددا بالإنسحاب نهائيا من الحرب التي نشبت نتيجة إختطاف هيلينا، زوجة أخ أغاممنون، ميليناوس من قبل باريس شقيق هكتور وذلك إستجابة لما وعدته به أفروديت في أن يحصل على أجمل أمرأة على وجه الأرض في حالة تفضيله لها على هيرا وأثينا. في هذه الأثناء، 
لن تكن ثمة حاجة كبيرة لفتح سجل الالام منذ القدم، حتى يمكن اظهار مدى الوجع والمقاساة اللتين وقعتا على كاهل ناس سكنة بين النهرين، يكفي استدعاء ذخيرة اوجاع الماضي القريب، حتى تمتلء النفس بفيوض من الغم والاسى؛ بل ان قراءة كتاب الآمال المجهضة لعصام غيدان، كفيل لوحده، في اعتقادنا، أن يرينا عمق المأساة، ويسمعنا اصداء الحيف الذي تعرض له كثر من المثقفيين العراقيين، حاملي تلك الآمال والحالمين بها، الآمال التى اجهضت بقسوة ما بعدها قسوة، وهم يرونها تتهاوى امام اعينهم، ليحدد سقوطها بعد ذاك طبيعة مأساتهم الشخصية ومأساة بلدهم في النتيجة، وليشكل كل ذلك، حلقة آخرى من حلقات ديمومة الآسى العراقي، واستمرارية فجيعته!.
 يتعاطى الكتاب الصادر حديثا (دار المّلاّك، بغداد / العراق- 2008،  247 صفحة من القطع المتوسط)، مع احداث سيرة ذاتية تؤرخ للمحنة التى عاشها العراق خلال العقود الخمسة الماضية، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب. يحرص المؤلف لان تكون مفردات ذلك التعاطي على قدر كبير من المصداقية والواقعية. في وقت يعلم جيدا بان الزمن الذي يسرد فيه وقائع كتابه، هو زمن غاص بصنوف كثيرة من الخداع، وحافل بتنويع جم من الاكاذيب، ما يجعل من مقولة جورج اورويل التى اعتمدها المؤلف:  <قول الصدق في زمن الخديعة، عمل ثوري>، بمثابة تلخيص لفكرة الكتاب وتمثيل دقيق لهدفه في آن!.  نحن اذن، ازاء سرد يتوخى الدقة والموضوعية فضلا عن مسعاه الى  المصداقية في تناول قضايا،  لطالما تطلعنا الى من يقول لنا : ماذا حدث فيها، وكيف حدثت، ولماذا حدثت؟ ماذا، وكيف ولماذا كل هذا الظلم والقسوة والغاء الآخر المختلف؟ والاهم في هذا السرد هو مسعى استعادة الاحداث لمساءلتها، ومساءلة جميع الذين اقترفوا تلك الاعمال الشائنة، مساءلة منصفة وعادلة... وعلنية، حتى لا يمكن ان تتكرر تلك المآسي مرة آخرى، وأن يتحمل الجميع: وخصوصاً الجلاديين مسؤولية وزر عملهم في تكريس تلك الممارسات وادامتها. ذلك لان ثمة التباس، وطمس حقوق، وتزييف وخداع رائج لايزال يعمل عمله، بحيث ان كثراً من الناس، الان، لا تعرف وقائع تلك الفواجع على وجه الدقة، ناهيك عن المقدرة في التفريق بين الضحية والجلاد. يخصص المؤلف ربع صفحات الكتاب تقريبا للحديث عن الامكنة  التى ولد فيها  وترعرع قبل ان يحصل على مقعد في بعثة دراسية تقوده الى انكلترة، التى سيدرس بها تخصص الهندسة المعمارية. وهو اذ يعود الى تلك الامكنة متذكرا شخصياتها العديدة، ومستحضرا أحداثها، فانه يوظف معلوماته الثقافية  العامة والاختصاصية كونه معمار، ليرسم لوحة كاملة لقرى ومدن العراق في فترتي الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي. وهي لوحة فسيفسائية غاصة بالمعالم المعمارية، النابضة بخصائصها السيسيولوجية والحافلة بالمعلومات الانثروبولوجية. انها دراسة ممتعة، يزيدها امتاعا بساطة اللغة المستخدمة ووضوحها، والمقدرة على اصطفاء حوادثها المميزة. في تلك الصفحات نتعرف على بهرز و مندلي و بعقوبة و بغداد والكوت وغيرها من المدن والبلدات، كما نتعرف على والد المؤلف، وهمومه التعليمية، ويحضر جده كشخصية محورية، بالاضافة الى فانوس الامرأة البسيطة  والحكيمة في آن، التى قرأت طالعه، محذره حفيدها من معارضة الحكومة؛ هي القائلة بافتخار على مسمع كثيرين من المدعويين في وليمة مقامه على شرف حصوله على البعثة الدراسية .. انه حفيدى، وقد أريته الدنيا حين كان يبلغ ستة اسابيع من العمر. أخذته الى مركز الشرطة ودرت به حول مدفع البلدية لحمايته من اسلحة الشر. ثم أخذته الى نهر كلال لحمايته من الغرق، وبعد ذلك الى السوق لكي لا يغشه التجار. المكان الوحيد الذي لم آخذه اليه هو السراي الذي يصونه من مشاكل الحكومة، وعليه كن حذراً مع الحكومة، هل تسمع؟ (ص 67). ونعلم بانه لم يسمع كلام فانوس. مفضلا الاستجابه الى نداءات ضميره الحيّ، كما استجاب كثر من امثاله المحبين الى وطنهم وناسه  الطيبيين. اؤلئك الذين كتب عنهم بمحبة واحترام، متعاضداً مع قضاياهم التى رأها عادلة وحقيقية، والذين بادلوه احتراما ومحبة، معرضين مؤازرتهم ومد يد العون له. ولعل صورة الشخص الذي عرض ان يكون كفيلا له في بعثته الخارجية، بصورة مفاجئة وسريعة وغير متوقعة، التى يذكرها في متن نصه، تعكس جوهر العلاقات الانسانية المتبادلة وطيبتها، مقدرا شهامته، وواجد فيه، ليس فقط  توفير رحلة مضنية وطويلة لوالد وابنه الى مندلي، اذ ان هذا الرجل، كما يشير المؤلف، فعل اكثر من ذلك  .. فهو قد اعطاني املاً بالمستقبل. وكنت في الاعوام التالية كلما أرى أعمال القسوة التى ابتلى بها تاريخ العراق الحديث اتذكر اللَّطف العفوي لذلك الرجل وأقول في نفسي: لن يذهب كل شئ عبثاً (ص 66). لا يفتأ السؤال ان يبقى يدور في اذهان نزلاء ردهات وفضاءات ذلك السجن الصحراوي النائي، لماذا هم معتقلون؟ ماهي تهمتهم ما الذي ارتكبوه حتى يكونوا في مثل هذا المكان؟. لا احد بمقدوره ان يجيب عن تلك الاسئلة. فالعبثية الممزوجة بالسادية والتلذذ في قهر الآخرين، سيدة الموقف هنا؛ وهو ما يولد نوعا من مرارة، تتلوها  خيبة، تقود الى الاحباط؛ الاحباط المجهض للامآل المتكسرة. ويصبح الخروج من تلك الاسوار اللعينة غاية ومبتغى كثر، رغم صعوبة تحقيق ذلك الخروج وحتى جدواه. فعندما تكون في قلب الصحراء بعيدا عن اي معلم حضاري، يكون الخروج من سجن القلعة، بمثابة تيه حقيقي في ارض قاحلة وشاسعة، يفضي الى هلاك محقق. لكن توق الحرية الغريزي الكامن لدى الانسان، والاحساس بعبثية القهر والظلم الفادح غير المبرر، المسلط على كاهل نزلاء  ال ن ك ر ة ، وجد لدى البعض فيه مبررا كافيا لتفضيل الانعتاق الذاتي وتحمل مخاطر التيه الصحراوي، عن الاستمرار والبقاء في سجن ال ن ك ر ة. احدهم كان صلاح: ضابط البحرية الذي يذكره الكاتب، ويذكر موته الاسطوري، بعد خروجه من القلعة، حاملا بوصلة ومصباح يدوي وقنينة ماء. ..  وقد علمنا أن جسده قد وجد في الصحراء متمسكاً بالبوصلة وجدوا في جيبه رسالة الى زوجته كتب فيها: إني سأموت بلا سلاسل غير مقيد اليدين، في الصحراء الفسيحة، بعيداً عن مسؤولي السجون والشرطة السرية، مكافحاً من اجل حريتي ( ص. 149).   لا احد تحمل مسؤولية وفاة صلاح، كما لم يتحمل كثر وفاة آلاف القتلى من العراقيين، الذي سقطوا ظلما، بجريرة حبهم لشعبهم ودفاعا عن حرية وطنهم. بل الانكى في كل ذلك، إن بعضاً  وجد في نفسة الصلافة للمطالبة باعادة أزمنة القهر والاستبداد والظلامية مرة آخرى، وكأن ما زُرع من عنف وارهاب وقسوة لم يكن كافياً. ليس من مهام هذه المقالة اختزال صفحات الكتاب، كما لم يكن هدفها التغاضي عن ذكر الحوادث المفجعة او إهمال تتبع انكسار الامآل المجهضة. فالكتاب عصيّ على الاختزال، ما يجعل من قراءته قراءة كاملة امراً ضروريا و.. واجباً، حتى يمكن ادراك نوعية المحنة التى مرّ بها سكان العراق خلال العقود الخمسة الماضية. انه كتاب ذو أهمية بالغة، وهذه الاهمية تنبع من أهمية تسجيل  الحوادث المأساوية التى يتعين ان تبقى حاضرة كتذكرة عن سنين المحنة، المحنة القاسية التى لا يمكن باي حال من الاحوال تسويغ اية حادثة من حوادثها الاليمة، ناهيك عن مسعى التفكير باعادتها اومحاولة تكرارها!. والكتاب بهذا المعنى، ينضم الى قائمة كتب تناولت مواضيعها  مأساة العراقيين ابان المحنة المستمرة التى لا تريد ان تتوقف، مثل كتاب  سلالة الطين لعطا عبد الوهاب، وجدار في ظلمتين لرفعة الجادرجي، وقصتي في قصر النهاية لعبد الكريم فرحان، وعراق 8 شباط 1963 من حوار المفاهيم الى حوار الدم للدكتور علي كريم سعيد وغيرها من الكتب الاخرى التى وثقت للمحنة وجعلتها حاضرة في وجدان كثر من الناس؛ ما يجعل من نصوصها اداة قادرة على تفكيك ثقافة القسوة وتقاليد الغاء الآخر المختلف. والمهم مسعاها النبيل في الكف عن جعل العراق ان يكون بلاد الآمال المجهضة!.  واذ اقّـّدر لدار المّلاك صنيعها وحرصها وجرأتها في نشر كتاب عصام غيدان، الذي تضمنت صفحاته كثر من التخطيطات المميزة والمعبرة عن مشاهد بعض ما يتحدث عنه الكاتب، (والتى نزعم بانها تعود الى ريشة المؤلف، اذ لا يوجد في الكتاب ذكر الى رسامها)؛ فاننا ودننا ان يكون اخراج الكتاب اكثر مهنية، وان تزال بعض السلبيات التى رافقت طباعته. في الاخير لايسعنا الا الاشادة باسلوب سردية الكاتب المميّزة، تلك السردية التى وجدت صداها في النص العربي، اذ ان الكتاب، كما اشير في مقدمته، كان اساسا مكتوب باللغة الانكليزية، وقام عطا عبد الوهاب بنقله الى العربية. ??  مدرسة العمارة/ الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون

عدد القرائات : 5900
إمكانية التعليق : مغلق
عدد التعليقات : 0