PrintEmail
شارع الرشيد .. تجاوزات .. إهمال .. نفايات وخطط تأهيل بلا تنفيذ
تاريخ النشر : 04-01-2014
المصوتين :0
النتيجة :0

حتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي كان شارع الرشيد يعج بحركة المتبضعين ورواد المقاهي والمسارح الى ساعات متأخرة من الليل، إذ كان فيه اكثر من سبع دور للسينما تنتشر على مسافة 4 كيلومترات تمثل طول الشارع من منطقة الباب الشرقي الى باب المعظم، كسينما الحمراء والوطني والرشيد وبروداوي والزوراء والرافدين ومجمع روكسي الصيفي والشتوي، وكان فيه اشهر محال التصوير الفوتوغرافي التي وثقت تاريخ ساسة العراق لاكثر من خمسين عاما كمحال أرشك وعبوش ونوفكس وبابل لتتحول فيما بعد الى ورش و مخازن لبيع زيوت السيارات، فيما طمرت معالم الشارع الاخرى كمكتبة مكنزي المختصة بالكتب والمجلات الاجنبية وصيدلة كاكا الشهيرة ومطعم الشمس الكبير واستوديو جقماقجي والمقهى البرازيلي بتجاوزات وانتهاكات صارخة لمقاولين ومتنفذين خربوا معظم ذاكرة بغداد الثقافية بسبب غياب التخطيط والرقابة من قبل المؤسسات المعنية بتراث المدينة. شوارع مماثلة يعد شارع الرشيد من اقدم شوارع بغداد منذ تاسيسه من قبل الوالي العثماني خليل باشا في العام 1910، ويحوي الشارع من بداية ساحة الميدان وصولا الى منطقة السنك اشهر اربعة جوامع تختلف في تاريخ بنائها الذي يعود الى حقب زمنية يرجع بعضها الى العصر العباسي كجامع الحيدر خانه والاوزبكية وحسين باشا والاصفية والمدرسة المستنصرية، ما يعني ان الشارع يحوي خليطا تراثيا واثريا أسهم في بناء تاريخنا الحضاري الذي خربته ايادي الاهمال، يقول الباحث في شؤون التخطيط العمراني حسن هادي الحمراني : في ظل الاوضاع الامنية التي يعيشها البلد، كان من الممكن ان تقلص الدولة مساحات الارهاب من خلال انعاش الشوارع المهمة في العاصمة بغداد، فليس من الصحيح ان يغلق شارع الرشيد بهذا الشكل المأساوي بعد ان كان من اهم الشوارع الاقتصادية والترفيهية حتى وقت قريب من القرن الماضي، واشار هادي الى سوء التخطيط العمراني الذي تتبعه امانة بغداد في اعادة ترميم الشوارع التراثية والسماح بالتجاوزات غير المبررة التي غيرت معالم الشارع بشكل كبير جدا، واضاف لا تختلف الاوضاع السياسية والامنية في لبنان كثيرا عما يجري في العراق، ولكن عندما يدخل اي شخص الى شارع الحمرا في العاصمة بيروت يشعر بانتصار الحياة على اعمال العنف، فالمقاهي والمطاعم والمحال تعج بالمتبضعين والمارة الى ساعات متأخرة من الليل، مع اصرار السلطات اللبنانية على تشجيع الاستثمار بما يتناسب والحفاظ على هوية الشارع وبقائه، ولهذا لابد من اجراء عاجل وفوري لاعادة النظر فيما يجري من تخريب واهمال لشارع الرشيد وكذلك شارع السعدون، فليس من المعقول ان تتحول هذه الشوارع الى محال وورش تخرب وجه المدينة الى الابد. أهل الشارع عبد الرزاق رشك صاحب محل لبيع الملابس قال : اعمل في هذه المهنة منذ العام 1971 ونحن نعمل في شارع الرشيد، اذ كان والدي يملك مخزنا في الفرع المجاور للمحل، ولم يكن بوسعنا اغلاق المحل الا بعد الساعة 11 ليلا لكثرة المتبضعين وازدحام الشارع بالناس من عراقيين وعرب واجانب، اذ كانت تغص بهم المطاعم والمقاهي ودور السينما ومحال بيع الملابس والانتيكات، رشك ابدى حزنه لما وصل اليه حال الشارع اليوم من قذارة وفوضى وتجاوزات غيرت معالمه وشوهتها، وطالب بان تقوم الدولة باقراض اصحاب المطاعم والمقاهي مبالغ نقدية لغرض اعادة ترميم محالهم وتوسيعها ومنع اصحاب البسطيات والورش والمخازن من العمل في الشارع. مجيد داود(63) عاما صاحب محل لبيع الساعات بين ان امانة بغداد هي من أسهم في تدمير هوية الشارع من خلال المفسدين والمرتشين ممن كانوا يساومون اصحاب الورش ومحال تصليح السيارات ومعامل الفافون التي اكتسحت الشارع بعد العام 2003، فأغلب أزقة شارع الرشيد تحولت الى مخازن وورش تكدست فيها اكوام النفايات والمزابل بشكل مخز، واشار داود الى عجز المؤسسات الحكومية عن معالجة مشكلة التجاوز في شارع الرشيد بسبب المحاباة ودخول المهاترات الحزبية على الخط، ولم يعد للشعور الوطني اي دور له في الحفاظ على ارث الشارع، واضاف في العام 1974 كنت شابا اعمل مع والدي في هذا المحل الذي لم يكن يخلو من الزبائن من مختلف الجنسيات، وكانت المهن محدودة على اصحاب المطاعم والمقاهي وباعة الملابس والتحف ودور السينما فقط ولم يسمح لاي شخص باستغلال رصيف الشارع والعبث فيه كيفما يشاء. خطط كلامية بعد تزايد الانتقادات لما يحصل في شارع الرشيد وضعت الكثير من الخطط والمقترحات والبرامج لاعادة تأهيله وافتتاحه، لكن تلك الخطط لم تر النور ولم تنفذ على أرض الواقع وبقيت حبرا على ورق، فقد وضعت محافظة بغداد في العام 2012 خطة لاعادة افتتاحه وتأمين المجموعة المصرفية وإزالة التجاوزات وتأهيل المباني التراثية القديمة . ودعا محافظ بغداد السابق صلاح عبد الرزاق الى اجتماع موسع ضم ممثلي الأمانة العامة لمجلس الوزراء وقيادة عمليات بغداد ومديريتي مرور الكرخ والرصافة ودائرة صيانة الاثار بوزارة السياحة ومديرية بلدية الرصافة والدائرة الإدارية للبنك المركزي ومدير عمليات المحافظة وعرض في الاجتماع ان شارع الرشيد يعاني من الإهمال وتراكم الأنقاض والنفايات وتهدم المباني التراثية وعدم الاعتناء بها، فضلا عن تزايد اعداد ورش عمل تصليح السيارات ومحال بيع الدهون والمحال التجارية التي تتجاوز على أرصفة الشارع والبسطيات لدرجة تم فيها تشويه منظر الشارع الذي يعتبر من اهم واقدم شوارع العاصمة بغداد التراثية والتاريخية منذ العام 1916 , ودعت المحافظة في حينها جميع الوزارات والدوائر الحكومية الى التعاون للنهوض بشارع الرشيد وتحسين منظره واظهار جماليته على اعتبار ان وضع الشارع قد اصبح مزريا بسبب الغلق ويجب إعادة افتتاحه امام المواطنين وحركة سير المركبات، لا ان هذه المقترحات والاجتماعات سرعان ما تلاشت مع ذهاب المحافظ وعدم جدية واكتراث الجهات المعنية واستمرت الفوضى تضرب اطنابها بكل قوة . أمانة بغداد امين بغداد السابق عبد الحسين المرشدي كان قد أعلن في منتصف العام الحالي عن إعادة افتتاح الجزء الشمالي المغلق من شارع الرشيد الممتد من ساحة المقاتل العراقي حتى ساحة الميدان بالتنسيق مع قيادة عمليات بغداد، وبين حسب البيان الذي اصدره في حينها ان ملاكات دائرة الوحدات الإنتاجية وبلدية مركز الرصافة التابعتين لأمانة بغداد وبالتنسيق مع قيادة عمليات بغداد ومديرية المرور العامة اعادت افتتاح الجزء الشمالي المغلق من شارع الرشيد أمام حركة السير والمرور بعد مدة إغلاق دامت عدة أعوام بسبب الظروف الأمنية في العاصمة بغداد، واشار الى اكتمال أعمال رفع الكتل والحواجز الكونكريتية المستعملة في اغلاق الشارع ورفع كميات النفايات والأنقاض وتنظيف شبكات تصريف مياه المجاري والأمطار للمنطقة الممتدة من ساحة المقاتل العراقي (مدخل وزارة الدفاع القديمة) وصولا الى ساحة الميدان، لكن حلول امانة بغداد كانت مجرد حلول ترقيعية لم تنقذ الشارع من الخراب والاهمال الذي حل فيه واستمر الوضع على ماهو عليه حتى يومنا هذا . استثمار جبان الاقتصادي مبدر وناس الخزاعي اشار الى ضرورة ان تعالج الدولة موضوع الاملاك الخاصة المتهالكة في شارع الرشيد، فاصحاب الاملاك يتصرفون وفق قاعدة ( الاستثمار الجبان) الذي يتضمن ايجار واستئجار العقارات من دون اعادة ترميمها وفق شروط وضوابط المناطق التراثية، واغلب مباني شارع الرشيد مبان قديمة ومتهالكة وذات منظر بائس، فاصحابها اعتادوا منذ عشرات السنين على استيفاء الايجارات من دون الاكتراث الى المهن التي تزاول في ممتلكاتهم، وامانة بغداد من جهتها لم تحاول ان تجد حلا لهذه القضية وتشبثت بحجة الاملاك الخاصة، ولم تحاول استملاكها اوعرضها للاستثمار او المساطحة لاصحاب المقاهي والمطاعم او المسارح ودور السينما، على الرغم من ان هذا الاجراء يمكن ان يعود بفوائد مالية كبيرة على الامانة، والدولة من جانبها لم تلتفت الى خطورة موضوع تلاشي المناطق التراثية واندراس معالم المدينة بسبب فوضى التجاوز من قبل اصحاب المهن الصناعية على شوارع يمكن ان تمثل واجهة البلد الحضارية، واكد وناس ضرورة ان تقوم المؤسسات الحكومية المعنية بالتخطيط العمراني للمدينة بغداد باعتماد اسلوب اقتصادي في اعادة الحياة لشارع الرشيد من خلال استملاك المباني المتهالكة او فرض اعادة بنائها من قبل اصحابها وفق الاسلوب العمراني التراثي للشارع، وفي حال تعذر اصحاب الاملاك من عدم القدرة على تحمل تكاليف البناء والترميم، فتستطيع الدولة ان تبرم عقودا مع اصحاب الاملاك يتمثل في تحمل تكاليف البناء والترميم واستيفاء مبلغ الكلفة من خلال تسديده عن طريق تقاسم مبلغ الايجار او استئجار الدولة للعقار لفترة زمنية محددة بشرط ان يكون استغلال العقار بما يتناسب والوضع العام للشارع، كأن يكون مقهى سياحيا او مسرحا او دار عرض سينمائي او محلا تجاريا لبيع الملابس او الحلى الذهبية، وهذا النظام معمول به في كثير من الدول العربية والاجنبية، لكن هذه المقترحات لم تلق اذانا صاغية رغم تكررها في مناسبات كثيرة. قطاع خاص خامل يقول حسن محمد كاشيه صاحب محل سابق لصياغة الذهب في سوق شارع النهر المحاذي لشارع الرشيد : محال صاغة الذهب في شارع النهر كانت من انشط الاسواق التي توفر عملة صعبة بمئات الملايين من الدولارات سنويا، فاغلب السياح كانوا في بداية سبعينيات القرن الماض وحتى بداية اندلاع الحرب العراقية الايرانية ياتون الى الاسواق العراقية والمرافق السياحية في مختلف مناطق العراق ثم يستقرون في نهاية الرحلة في العاصمة بغداد وفي شارع الرشيد تحديدا للتبضع والترفيه في المقاهي والاسواق، واعتاد الناس على رؤية السواح الاجانب في شارع الرشيد والسعدون والنهر في اوقات متاخرة من المساء، لان الاسواق والمطاعم والمحال لم تكن تغلق ابوابها حتى بعد منتصف الليل، فالقطاع الخاص كان نشطا وعارفا لنوع المهن التي يمكن ان تتوسع بمرور الوقت، حاليا لا يوجد لدينا قطاع خاص مبتكر او مغامر وتحول الاغلب من رجال الاعمال الى عالم الصفقات والمضاربات الخالية من اي ابداع او لتاسيس مهن تدوم لسنوات طويلة كما كان يفعل التجار السابقون، ولذلك اقتصرت اغلب الاعمال على محاولات بسيطة وخجولة لم تفلح في اعادة الحياة الى شوارع بغداد التجارية ومنها شارع الرشيد الذي كان من اهم شوارع العاصمة تجاريا وسياحيا. ميدان الرصافي المهندس حيدر عبد الواحد صاحب مكتب استشاري للتصاميم قال : من خلال جلسات متعددة مع بعض المثقفين والعمرانين في مقهى الشابندر اقترحنا ان نضع تصميما عمرانيا لشارع الرشيد على غرار بعض شوارع العواصم العربية والاجنبية واخترنا ميدان الرصافي وسط شارع الرشيد كافضل الاماكن لاعادة تصميمه كشارع مقاه ومطاعم سياحية ومحال تجارية لبيع التحف والانتيكات والملابس فقط، ثم نتوسع بالتصميم لتمتد هذه المحال باتجاهين نحو جهة الميدان وجسر السنك، ثم يعاد في الجزء الاخر من الشارع بعد بناية الاتصالات بناء دور السينما والمسارح ويفتح الاستثمار للقطاع الخاص في هذا المجال فقط، على ان تتعهد امانة بغداد بازالة التجاوزات على جانبي الشارع، اضافة الى منح القروض من قبل المصارف الحكومية لرجال الاعمال الموثوقين والمعروفين بنزاهتم المهنية من خلال تعاملهم مع البنوك العراقية، واضاف عبدالواحد جزء من المقترح هو ان يخير اصحاب المحال والعقارات باعادة استثمار املاكهم بانشطة جديدة تنحصر في المجال السياحي للشارع والغاء جميع المهن الاخرى التي لا تمت بصلة الى كيان شارع الرشيد وارثه التراثي،لكن المؤسسات المعنية بالموضوع كانت منشغلة بامور اخرى ولم تعر اي اهتمام للموضوع، لافتا الى ضرورة ان ترعى المؤسسات الحكومية وامانة بغداد جميع المقترحات والمبادرات التي من شانها ان تعيد الحياة لشارع الرشيد وبقية شوارع بغداد الاخرى ولاسيما بعد ان فشلت اغلب خطط المؤسسات الحكومية في هذا المجال .

عدد القرائات : 3022
إمكانية التعليق : مغلق
عدد التعليقات : 0