PrintEmail
الإنتخابات الأمريكيّة-الفرنسيّة الأخيرة: تشابه الفحوى وإختلاف النتائج!
الكاتب : د. محمد مسلم الحسيني
تاريخ النشر : 08-05-2017

تتشابه المعاني في الإنتخابات الفرنسية الأخيرة مع سابقتها الإنتخابات الأمريكية حيث تمخضت عن صعود شخصيتين متناقضتين في النهج والستراتيجية والتصوّر للدور النهائي في الإنتخابات، أمام ناخبين إنقسموا على أنفسهم مما يوحي بوجود شرخ كبير في الرأي الشعبي العام في هذين البلدين. المتنافسان أحدهما شعبوي يميني متطرف متمثل بشخصيّة مارين لوبان رئيسة حزب "الجبهة الوطنية" الفرنسي والتي يشابه برنامجها الإنتخابي المتطرف برنامج دونالد ترامب، والمنافس الآخر سياسي على الطراز الكلاسيكي يحترم النهج القديم ويدعو للحفاظ عليه مع إجراء إصلاحات فيه من أجل إدامته وبقائه والمتمثل بشخصية إيمانويل ماكرون رئيس حزب "الى الأمام" الوسطي والذي تماثله هيلاري كلينتون في الطرف الآخر. كما أخفق الطرفان المتنافسان على الحكم في أمريكا في كسب  رأي الأكثرية الشعبية فأن الحال يتشابه اليوم في فرنسا حيث لا مارين لوبان ولا إيمانويل ماكرون إستطاع كسب رضا الأكثرية وتبقى صورة إنقسام الرأي الشعبي في فرنسا متشابهة مع إنقسام رأي الشعب في أمريكا.

صعود اليمين المتطرف في الإنتخابات في دول الغرب بشكل عام أصبح حقيقة مخيفة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، بل أصبحت تهدد الكيان الغربي وتربك إستقراره وصيرورته إذ يعتبر هذا ردة فعل منحرفة لسياسات منحرفة إقترفتها الأحزاب السياسية الكلاسيكية المتعاقبة على الحكم. إضطراب الحالة السياسيّة في الكثير من بقاع العالم والتي لعب الغرب دورا هاما في صناعتها بدأ يمتد بعيدا عن مناطق الألم  ويصل بإشعاعاته الى دول الغرب نفسها. الهجرة المليونية الى الغرب ومخالطتها بأعمال إرهابية تضرب في العمق وفي كل مكان ولّد حالة من الخوف والترقب يسميها البعض بالـ " إسلاموفوبيا"، حيث بدأت الشعوب تتذمر وتبحث عن ملاذ آمن تلجأ اليه تحت ناصية الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تتعهد بالرد الحاسم والسريع. كل هذا يفسر حالة الحركة التعجيلية السريعة التي تتقدم من خلالها أحزاب اليمين المتطرف الغربية والتي وجدت منفذا هاما تستطيع من خلاله إختراق وجدان ومشاعر المواطنين الذين يتطلعون الى الرفاه والأمن والإستقرار.

لقد شاءت الظروف ألاّ يقف أمام المنافس الشعبوي في كل من أمريكا وفرنسا منافس من وزن ثقيل يستطيع التصدي بإقتدار لمن هو أمامه. ففي أمريكا كانت هيلاري كلنتون لا تحظى بشعبية كافية تستطيع من خلالها أن تقف بحزم أمام الشعبوي ترامب  فحصلت المعجزة....! الحالة تكررت في فرنسا  حيث أن إيمانويل ماكرون سياسي جديد على الساحة السياسية الفرنسيّة وعمره  قد لا يتناسب مع ثقل المهمة التي يتولاها، كما أن خبرته السياسية غير ناضجة وبرنامجه الإنتخابي غير واضح ومستند على رؤى نظرية مبنيّة على نهج حزب جديد يجمع بين أصول إشتراكية وأصول محافظة يتقبلها المنطق ولكن قد لا يتقبلها الواقع وحقائق الأمور. كل الذي يعرفه الفرنسيون عنه هو أنه سياسي جديد عمره 39عاما صار وزيرا للإقتصاد في الحكومة الإشتراكية الحاكمة وسرعان ما أستقال عنها، لم  يخض أي إنتخابات برلمانية، أسس منذ عام حزبا جديدا سمّاه حزب "الى الأمام" يتوسط بأهدافه بين أهداف الإشتراكيين وأهداف الجمهوريين وأطلق زمام المبادرة والترشح لكرسي الرئاسة بعدها. وهكذا فأن فوزه في الإنتخابات النهائية قد لا يأتي بالضرورة عن قناعة الفرنسيين بشكل عام به إنما لعدم وجود بديل مناسب ومقنع لهم.

رغم هذا التشابه في السيناريوهات إلاّ أن النتائج إختلفت تماما، فإن أستطاع دونالد ترامب أن يقتحم التوقعات والإستقراءات والإستطلاعات ويفوز بكرسي الرئاسة في أمريكا محدثا هزة عالمية ودهشة وإستغراب، فأن الموقف هذا لم يتكرر في فرنسا ولم تستطع مارين لوبان أن تفوز بكرسي الرئاسة في الجولة النهائية من هذه الإنتخابات. هذه الحقيقة المتوقعة لا تعود بأسبابها الى قوة المنافس المقابل السيد ماكرون أو لثقله السياسي وخبرته، إنما يعود السبب الى تخوف الفرنسيين من الغور في عمق المغامرة. الفرنسيون ومهما كانت جاذبية الوعود المعسولة التي يغازلهم بها اليمين المتطرف لا يغامرون في التنصل من الإتحاد الأوربي ومن منطقة اليورو ولا يثقون بتسليم شؤؤنهم بيد أحزاب شعبوية ضيقة الأفق والمسار ليس لها خبرة سياسيّة حقيقيّة إنما لها رؤى متطرفة قد تقودهم الى المجهول. هذا التصور يبقى نافذا في الوقت الحاضر، على أقل تقدير، إذ يعززه التوافق الحاصل بالرأي بين غالبية الأحزاب والكتل السياسية العاملة على الساحة الفرنسية والتي إصطفت جنبا الى جنب مع مرشح الرئاسة ماكرون خشية وتحوطا من أن تتنصل بعض الأصوات وتنضم الى كفة اليمين المتطرف بقيادة لوبان.

رغم الصعود المتميز لليمين المتطرف في الغرب إلا أن الشعبويين في أمريكا وبريطانيا  لم يعطوا مثلا ناجعا يقتدى به بعد إنتصارهم وكسبهم للرهان. الساحة السياسيّة الأمريكية المتخبطة في ظل حكم ترامب صارت مسرحا للفكاهة والضحك، فالوعود الإنتخابية الخارقة لم تتحقق بعد، بل التناقضات والفوضى والإرباك أصبحت أحداث يومية معتادة يستغرب المتابع للوضع إن خلا يوم منها. أما السياسيون البريطانيون الذين ورطوا بريطانيا بالخروج من طوق الإتحاد الأوربي فلا أثر يذكر لهم في الساحة، بل تركوا غيرهم يتخبط في خضم مفاوضات الطلاق الصعبة التي لا يستطيع أن يدرك فيها حتى المختص مدى تأثيراتها ومخاطرها ونتائجها على مستقبل الحالة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية في هذا البلد. أمثلة مخيفة تبقى أمام الناخب الفرنسي الذي سعى ويسعى ألاّ يرى بلاده تتخبط كما يتخبط الآخرون! ومهما أرتفعت أصوات المغامرين في فرنسا فعددهم لم يصل الى الحد الذي تنال مارين لوبان مبتغاها منه.

إنتصار ماكرون في إعتلاء السلطة في فرنسا يعني الكثير ومن بين ما يعنيه هو إنتصارالقيم الديمقراطية العريقة على التطرف والعنصرية من جهة، وإنتصار سياسة الإنفتاح والعولمة على التقوقع والإنكماش على الذات من جهة أخرى. كما يعني أيضا إنتصار إرادة بقاء أوربا موحدة ملتئمة غير مفككة قادرة على مقاومة المد الشعبوي الجارف الذي أكتسح بريطانيا وأخرجها من الطوق الأوربي وأكتسح أمريكا وتمخض عن فوز ترامب وسياساته المتجهة نحو المجهول. وبين هذا وذاك فإن إنتصار ماكرون يوحي بأن للشباب فرصة للوصول الى أعلى مراتب الحكم إن توفرت الإرادة والكفاءة والإصرار وأن العمر قد لا يشكل دائما عقبة هامة أمام الهمّة والعزم. كما علينا ألاّ ننسى بأن إرادة القدر وحسن طالع المرشح لها موقعها في كل الأحوال والأمور، فكرسي الرئاسة الفرنسيّة كان شبه محسوم لمرشح اليمين المعتدل المحافظ " فرانسوا فيون " الذي جرفه سونامي الفضيحة من الأعتاب الأخيرة من سلم الصعود لذروة الحكم، حيث تبيّن أنه قد أسند وظائف وهمية لأفراد عائلته أثناء وجوده في السلطة مما أطاح بشعبيته وجعل الطريق سالكا أمام منافسه ماكرون!

نجاح ماكرون في إعتلاء السلطة لا يعني بأي شكل من الأشكال نهاية المطاف بل أن الطريق أمامه  طويل ووعر وعليه أن يسلكه بحكمة وتروي وذكاء وهي صفات يملكها هذا الرجل من خلال قراءة مسيرة حياته. عليه أن يفي بوعوده التي قطعها أمام شعبه بإجراء إصلاحات جوهرية في منظومة الإتحاد الأوربي كي يغلق الباب أمام المنتقدين والمتمردين والغاضبين على أوربا. كما عليه أن يحصن بلاده من هجمات الإرهاب الخطيرة  التي تضرب  بين الفينة والأخرى، كي يفسد أهداف المتربصين لإختلال الأمن من شعبويين وعنصريين في نشر أجنداتهم ورؤاهم، ولكي يكسر شوكة الإرهابيين الذين ينفذون خطط الشر والدمار في كل مكان. فوق كل هذا وذاك عليه أن يبرهن لشعبه فوائد النهج الوسطي بين اليسار واليمين وهو النهج الجديد الذي يتبناه والذي وعد شعبه خيرا فيه وأن يأخذ من محاسن الطرفين لا من مساوئهما كي يصحح المسار الإقتصادي المتعثر ويوفر فرص العمل ويرفع المستوى المعاشي للأفراد وهو حلم الجميع وهدفهم، فهل سينجح في كل ذلك كما نجح في خطف ذروة الحكم ؟.  

-----------------------

أكاديمي مقيم في بروكسل

عدد القرائات : 91
إمكانية التعليق : مغلق