|
2009-03-18 دراسة مقارنة بين القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان المحامي خالد عبد حسين (4 - 5)
يمثل القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان من الناحية التقليدية فرعان متمايزان من فروع القانون الدولي العام، وفي الوقت نفسه فإن القانوننين متكاملان من ناحية الأهداف التي يسعى كل منهما إلى تحقيقها. ويعنى القانون الدولي الإنساني بسلوك الأطراف المتنازعة في أوقات النزاعات المسلحة، أما القانون الدولي لحقوق الإنسان فيعنى بحماية الحقوق الأصلية للاشخاص من إساءة أستعمال الحكومات للسلطة. وبذلك فإن كلاً من القانونين يسعى إلى حماية الأفراد من الانتهاكات التي يواجهونها في أوقات الحرب والسلم، فحقوق الإنسان ملازمة للطبيعة البشرية وتحمي الفرد في كل الأوقات
وذلك مع التقيد بأحكام العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي أقر للدول الحق في التحلل من التزاماتها بأحترام حقوق الغنسان في أوقات الطوارئ العامة التي تهدد حياة الأمة وفقاً للشروط والأوضاع التي حددتها هذه المادة
في حالات الطوارئ الأستثنائية التي تهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسمياً، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم أنطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الأجتماعي"
وقد أثير جدال حول إمكانية أعتبار دخول الدولة في نزاع مسلح خارجي من قبيل حالة الطوارئ العامة التي تجيز للدولة التحلل من ألتزاماتها بمقتضى العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية أو خلافه
وكانت الإجابة على هذا التساؤل هو إمكانية ذلك رغم عدم النص على حالة الحرب صراحة كظرف أستثنائي كما هو الحال في المادة الخامسة عشرة من الإتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان الصادرة في عام 1950، والتي تقضي بأنه في زمن الحرب أو حالات الطوارئ الشاملة التي تهدد حياة الأمة يمكن إبطال بعض الحقوق المذكورة في الإتفاقية في حدود لا تتعدى ما تحتمه مقتضيات الحال وبشرط ألا تتعارض هذه التدابير مع الألتزامات الأخرى المقررة في القانون الدولي
وبذلك فإن حالة الحرب تعد ظرفاً استثنائياً يجيز التحلل من التزامات الدول، ويمكن التوصل إلى ذلك من مراجعة الأعمال التحضيرية للمادة الرابعة للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، إذ كان المشروع المقترح لها أثناء إعداد الإتفاقية يتضمن حالة الحرب، إلا أنه عند إعداد الصياغة النهائية للنص أتفق الأطراف على حذف هذه الإشارة الصريحة للحرب أحتراماً لما قضى به ميثاق منظمة الأمم المتحدة من تحريم الحروب وتحريم أي أستخدام للقوة العسكرية أو مجرد التهدبد بها
ولكن يجب ملاحظة أم هذا التحلل من الالتزامات يجب أن يتقيد بحدود النص فلا يمكن القبول بتحلل مطلق من الالتزامات، إذ على الدول أن تلتزم في جميع الظروف بعدم المساس بالحقوق والحريات الجوهرية للفرد إذ أن نص المادة / 4 أشترط:
(... عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم إنطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الأجتماعي)
وعلى الدول في نفس الوقت أن تستمر بأحترام الالتزامات الدولية الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي العام، وهذا يعني عدم جواز إخلال الدولة في تحللها من التزاماتها بمقتضى العهدين الدوليين بالتزامات دولية أخرى، ولعل أظهر هذه الالتزامات التي لا يجوز الإخلال بها في أوقات النزاعات المسلحة هي الالتزام بإتفاقيات جنيف الأربع حول القانون الدولي الإنساني
كما ألزمت م/ 4 ف3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أية دولة طرف في العهد أستخدمت حق عدم التقيد أن تعلم الدول الأطراف الأخرى فوراً، عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة، بالأحكام التي لم تتقيد بها وبالأسباب التي دفعتها إلى ذلك، لتقوم لجنة حقوق الإنسان (الذي أصبح لاحقاً مجلس حقوق الإنسان) بدراسة الحالة والتحقق من حالة الضرورة التي أتخذتها الدولة المعنية سبباًَ لعدم التقيد، وللجنة حقوق الإنسان عند الضرورة الحق في مطالبة الدولة بتقرير خاص يوضح الظروف الخاصة بإجراءات عدم التقيد
وقد قامت لجنة لحقوق الإنسان في عام 1081 بوضع التزامات عامة تتعلق بتفسير لالتزامات الدول عند أستخدام م/4 من العهد الدولي أكدت فيه على الطبيعة الأستثنائية والمؤقتة لقانون الطوارئ وألزمت الدول الأطراف بتقديم التقرير إلى اللجنة حال إعلان حالة الطوارئ
وعليه فإن نطاق سريان القانون الدولي الإنساني يكون فقط في حالات النزاعات المسلحة لكونه وضع لحماية الفرد في تلك الفترة أما قانون حقوق الإنسان فإن نطاق سريانه يكون في زمن السلم وكذا في الحرب. ويجوز للدولة في حالة الطوارئ التحلل من التزاماتها بأحترام حقوق الإنسان في حالة الطوارئ وفقاً لشروط محددة، بينما القانون الدولي يكون أوسع من نطاق سريان قانون حقوق الإنسان في هذا المضمار
ويحوي القانون الدولي لحقوق الإنسان أحكاماً تلزم الدول بتنفيذ قواعد على الفور أو تدريجياً، ويتعين على الدول أعتماد العديد من الإجراءات والتدابير التشريعية والإدارية والقضائية وغيرها مما يكون ضرورياً لأعمال الحقوق المنصوص عليها في المعاهدات، أما بالنسبة للتنفيذ على الصعيد الدولي، فإن الدول عليها مسؤولية جماعية بموجب المادة الأولى المشتركة لأتفاقيات جنيف التي تنص على أحترام وكفالة أحترام الإتفاقيات في جميع الأوقات
المطلب الثاني : النطاق الشخصي
الفرع الأول: الفئات المشمولة بالحماية (سريان القانون من حيث الأشخاص)
أولاً : نطاق القانون الدولي الإنساني:
كثيراً من يجري الحديث عن "الأشخاص المحميين" والفئات المحمية أثناء النزاعات المسلحة، وقد حددها القانون الدولي الإنساني وأقر مبدأ أحترامها وحمايتها، والحقيقة أن إعطاء وضع قانون خاص لأشخاص معينيين أفراداً أو جماعات ينطلق أساساً من مبدأ التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين، الذي يقوم عليه قانون الحرب أو ما أصبح يعرف لاحقاً بقانون النزاعات المسلحة أو القانون الدولي الإنساني
ويرتكز نظام الحماية الذي تكفله إتفاقيات جنيف على مبدأ أساسي هو وجوب أحترام وحماية الأشخاص المشمولين بالحماية في جميع الظروف، ومعاملتهم معاملة إنسانية، دون أي تمييز ضار على أساس الجنس أو العنصر أو الجنسية أو الآراء السياسية أو أي معايير ماثلة أخرى
وتوفر إتفاقيات جنيف 1949 بموادها التي تنوف على أربعمائة مادة بعضها شديدة التفصيل، نظاماً محكماً من القواعد لحماية شتى فئات الأشخاص المشمولين بالحماية
والأشخاص المحميون في عرف القانون الدولي الإنساني هم الأشخاص الذين تنطبق عليهم قواعد الحماية التي نصت عليها معاهدة إنسانية بعينها، وبالتالي يتمتعون بحقوق معينة عند الوقوع تحح سلطة الأعداء
|