اجريدة المؤتمر : الصفحة الرئيسية

2009-03-18

القــانــون والقضــاء والحريـــات العامـــــة

فارس حامد عبد الكريم

(4 - 5)
ان فلسفة مبدأ قانونية الجريمة والعقاب تتمحور حول فكرة اساسية مفادها الموازنة بين المصلحة العامة والحريات العامة وتهدف في آن واحد الى حماية المصلحة العامة وحماية الحريات الفردية
ان حماية المصلحة العامة تتجسد في اسناد وظيفة التشريع الى المشرع وحده تطبيقاً لمبدأ انفراد المشرع بالاختصاص التشريعي في تنظيم الحقوق والحريات العامة لتكون بيد ممثلي الشعب لا بيد رجال السلطة التنفيذية.
المبحث الرابع: عدم رجعية القانون الجنائي
عدم رجعية القانون الجنائي نتيجة منطقية لمبدأ قانونية التجريم والعقاب فضلاً عن كونه مبدأ مهم من مبادئ حقوق الانسان وسمة بارزة من سمات الدولة القانونية، ويبدو لي ان المبدأ قد عرف اول ما عرف عن طريق القرآن الكريم والشريعة الاسلامية الغراء ، قال تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً )الإسراء (15) ، فلم يكن المبدأ معروفاً في الشريعة الرومانية وهي الاصل لاغلب الشرائع الغربية. وفي العصور الحديثة جاء المبدأ مع جملة المبادئ الانسانية التي تبناها رجال الثورة الفرنسية ومفكريها فنصت عليه المادة (8) من اعلان حقوق الانسان والمواطن الفرنسي لسنة 1789 . ونصت عليه بعد ذلك المادة (11) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948 والعديد من المواثيق الدولية فضلاً عن اغلب دساتير العالم. واساس الفلسفة التي يقوم عليها المبدأ هو تحقيق الامن القانوني عبر حماية المراكز القانونية المستقرة والحقوق المكتسبة فضلا عن حماية الحريات الشخصية فلا يؤاخذ الانسان على فعل لم يكن مجرماً وقت ارتكابه. ومضمون المبدأ ان اثر القانون الجنائي لا يمتد الى الماضي ليحكم الوقائع التي كانت قد حدثت قبل نفاذه ، بل يحكم فقط تلك الوقائع التي حدثت بعد نفاذه فقط. ويترتب على ذلك ان القانون واجب التطبيق على الجريمة هو القانون المعمول به والنافذ وقت ارتكابها لا وقت محاكمة مرتكبها
والمبدأ كقاعدة دستورية ما هو الا قيد على ارادة المشرع يمنعه من اقرار رجعية التشريعات التي يسنها تطبيقاً لمبدأ قانونية التجريم والعقاب. ويسري المبدأ على كل جزاء يتسم بطابع العقوبة ولو ترك تطبيقه لجهة غير قضائية كمجالس التحقيق الاداري وغيرها. الاصل والاستثناء : للمبدأ اصل واستثناء والاصل عدم رجعية القانون الاسوء للمتهم للماضي والاستثناء هو رجعية القانون الاصلح للمتهم للماضي فضلا عن رجعية القوانين التفسيرية
شروط تطبيق المبدأ
يشترط لتطبيق المبدأ شرطين اولهما ان يكون القانون اسوء للمتهم وثانيها ان ينص على رجعية القانون الجنائي الجديد
اولاً: ان يكون القانون اسوء للمتهم. يكون القانون الجنائي الجديد اسوء للمتهم اذا استحدث تجريماً جديدأ او وضع قيوداً على ممارسة احد اسباب الاباحة او عدل من تكييف الواقعة المكونة للجريمة او رفع ركناً من اركان الجريمة لم تكن لتتحقق بدونه او رفع مانعاً من موانع المسؤولية او تشدد في شروطه، او مد القانون الجديد حمايته لتشمل حماية مصالح لم تكن محمية في ظل القانون القديم الذي ارتكبت في ظله الواقعة.او من خلال التوسع في التعريف القانوني لمفهوم قانوني معين. وفيما يتعلق بالعقاب يعد القانون اسوء اذا اوقع بالجاني عقوبة اشد مما كان يوقعها القانون القديم سواء من حيث المقدار او النوع او الحد الادنى او الاعلى للعقوبة او استحداث عقوبات تبعية او تكميلية او جعل الاخيرة وجوبية بعد ان كانت جوازية وكذلك استحداث ظروف مشددة او رفع مانع من موانع العقاب او جعلها جوازية بعد ان كانت وجوبية ، او تشديد العقوبة على ظرف مشدد معين
ثانياً: ان ينص القانون الجديد على الاثر الرجعي صراحة او ضمناً، يعتبر القانون الجديد معمولاً به بأثر رجعي اذا امتد نطاق تطبيقه من حيث الزمان ليشمل وقائع ابتدأت وتكونت وتمت في ظل القانون القديم او شمل بحكمه مراكز قانونية تمت واكتملت عناصرها في ظل القانون القديم. الا انه اذا وقعت الجريمة او بعض عناصرها واستمرت او تتابعت في ظل القانون الجديد فان تطبيق القانون الجديد عليها لا يعتبر ذلك تطبيقاً باثر رجعي. كما هو الحال في الجرائم المستمرة كما في جريمة استعمال محرر مزور وكذلك الحال بالنسبة للجرائم المتتابعة وجرائم الاعتياد ، ما دامت الوقائع مستمرة او متتابعة بارادة صاحبها.كل ذلك ما لم ينص القانون على خلافه. وينبغي التمييز في هذا المقام بين الجريمة الوقتية ذات الاثار المستمرة والجريمة المستمرة ، فالاولى تخضع لاحكام القانون القديم حسب الاصل وان بقت تنتج اثارها في ظل القانون الجديد ، مثل جريمة اقامة بناء بدون ترخيص في ظل القانون القديم لان الاستمرار هنا ليس الا اثر للفعل الذي مضى وقوعه وليس لارادة الجاني اثر في استمراره ، بينما تخضع الجريمة المستمرة التي ابتدأت في ظل القانون القديم واستمر العمل الارادي بوقائعها في ظل القانون الجديد الى احكام الاخير، كما هو الحال في جريمة استعمال جواز سفر في ظل القانون القديم والقانون الجديد
الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم الرجعية
هناك قوانين موضوعية لا تخضع الى مبدأ عدم الرجعية وانما تخضع لمبدأ رجعية القانون الجنائي على الماضي وهي القوانين المُفسِرة والقوانين الاصلح للمتهم
اولاً: القوانين المُفسِرة، القانون المُفسِر هو ذلك القانون الذي يصدر لغرض تفسير قانون سابق له وكشف المراد من نصوصه وايضاح احكامه بسبب اختلاف القضاء او الادارة في تفسيره بسبب غموض نصوصه.وهذا القانون يسري على الوقائع التي وقعت قبل نفاذه باثر رجعي لانه يعتبر امتداد للقانون الاصلي المفُسَر ويتحد معه ويأخذ نفس نطاقه الزمني
والعبرة في هذا المقام بوصف القانون بانه تفسيري هو بحقيقة مضمون نصوصه لا بالوصف الذي يخلقه المشرع عليه ، فان تضمن القانون المُفسِر احكاماً جديدة لم يتضمنها القانون الاصلي المُفسَر ، فان الاحكام الجديدة تخضع لمبدأ عدم الرجعية
ثانياً: القوانين الاصلح للمتهم، اذا ارتكب الجاني جريمة في ظل قانون قديم وصدر قانون جديد اصلح للمتهم اثناء التحقيق او المحاكمة وقبل صدور حكم نهائي بات فان القانون الجديد هو الذي يسري على الوقائع بأثر رجعي. ويقصد بالقانون الأصلح للمتهم هو القانون الذي ينشئ للمتهم مركزاً او وضعاَ افضل له من القانون المفترض تطبيقه عليه. ويتحقق ذلك اذا كان القانون الأصلح يلغي جريمة او يضيف ركناً لها او يلغي عقوبة او يقرر وجهاً للإعفاء من المسؤولية او سبباً للإباحة او لامتناع العقاب دون ان يلغي الجريمة ذاتها او يخفف العقوبة
والقانون الأصلح للمتهم يخضع لمبدأ رجعية القانون الجنائي على الماضي لتوافق ذلك مع حكمة قاعدة قانونية التجريم والعقاب وهي القاعدة التي تمخض عنها مبدأ عدم الرجعية ربغم اختلاف النتيجة من الناحية الظاهرية. فمن الظلم والتناقض في آن معاً ان تطبق عقوبة على متهم في الوقت الذي يعترف فيه المشرع بعدم فائدتها او بزيادتها عن الحد اللازم وتخلف المصلحة من إيقاعها وفي ذلك ضمان لحريات الافراد ايضاً
المبحث الخامس: أصل المبدأ في الشريعة الإسلامية
تُعرف الجريمة شرعاً بأنها ( إتيان المكلف لفعل محرّم معاقب على فعله، أو ترك فعل محرّم الترك معاقب على تركه). قال تعالى:( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً )الإسراء (15) وقال تعالى: ( قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ}غافر:50. وقال تعالى:( تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) الملك:8-9. قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) القصص:(59)

 
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤتمر الوطني العراقي
Copyright © 1997-2010 Iraqi National Congress. All rights reserved. info@inciraq.com