اجريدة المؤتمر : الصفحة الرئيسية

2009-03-18

ضمير الكاتب ووظيفة الادب قراءة في ارملة زرياب لبلقيس الملحم

حسين عبد الخضر

تتعدد الاراء وتتضارب وجهات النظر حول وظيفة الادب ودوره في الحياة الإنسانية ، فمنها من يدرجه تحت قائمة الرغبات الذاتية الكامنة في نفس الكاتب ، حتى ليبدو النص الادبي عملية بوح لذات متضخمة ترى في نفسها محورا للوجود ، تدور الكائنات من حوله . ووجهات أخرى ترى للادب وظيفة اجتماعية ، وبعدا توثيقيا لمسيرة حياة الإنسانية في حقبة زمنية معينة ، يمتد بتاثيره إلى خارج ذات الكاتب ليشمل تاريخ الإنسان ، حيث يكون الاخر لا الذات هو مجال الاشتغال ومحور العمل وتحت التصنيف الاخير يمكننا ادراج مجموعة بلقيس الملحم القصصية ( ارملة زرياب ) والصادرة من الدار العربية للعلوم ناشرون ، اذ ترصد قصص هذه المجموعة الاحداث التي مرت بالعراق بعد الاحتلال ، وتشير القاصة إلى ( الدافع ) في مستهل قصة ( بكاء الحدائق ) : ( اصبح من الجدير بصرخة الضمير الإنساني ، ان توثق ما حدث صبيحة سقوط النظام العراقي عام 2003 م ) . واذا كان ضمير اغلب الكتاب العراقيين قد تماوت ، فتغافلوا عن رصد ما يحيق بمجتمعهم من ويلات سببها الاحتلال ، نجد ان قلم هذه القاصة السعودية قد رصد مشاهدا من الوجع العراقي على مدار سبع وثلاثين قصة وقعت في 138 صفحة من القطع المتوسط ، حاولت الكاتبة فيها ان تقترب من هذا الوجع ، بعد ان عايشته واحست به من خلال ما ينقل في وسائل الاعلام أو الاتصال باصدقاء عراقيين ، فالتقطته بضمير انساني يقظ
الكتابة من خارج الحدث واشكالية الاقناع تترك الكتابة من خارج الحدث اثارها على المنتج القصصي ، فتظهر فيه تكلف الصنعة ، وعدم الدقة في تصوير الحدث ، مما يجعله غير قادر على اقناع القارئ وجذبه إلى فضائه . وقد تجاوزت القاصة ، كما يبدو لي ، هذه المشكلة ، بتقمص الحالة الشعورية للشخصيات التي واجهة الحدث ، كما انها اشتغلت في العديد من قصصها على المكان كحاضنة واقعية للحدث ، لتعزز من عنصر الاقناع ، وساعدها في ذلك اسلوب سردي رشيق يقترب من اسلوب السردي الروائي أحيانا ويتكاثف حتى يصل إلى مستوى قصيدة النثر عند الحديث عن جوانيات الشخصية ، واستكشاف انفعالاتها النفسية وافكارها ( لقد رحل مع الذين رحلوا في الحروب وفي ضجيج السكون ، ليخلف قبلات عذارى وخريف نغم تساقط على نصبه . القرية التي كانت تحتويها ضاقت عليها بما رحبت لترحل من عذاب إلى عذاب ، ومن وطن يشبه الوطن ، يقال بأنه جميل حتى في ظلامه . . هذا الوطن يدعى بقرية المحول بالقرب من مدينة الحلة ) وطني بلا نبي ص 128 . كما استخدمت في حواراتها بعض مفردات اللهجة العراقية الدارجة ، لتتوغل في نفسية الإنسان العراقي اكثر ، وتعزز من شعور القارئ بان ما يقرأه هو ادب عراقي ! كانت التقنيات السابقة ادوات مهمة استخدمتها الكاتبة للنفاذ إلى داخل الحدث في كتابتها لاغلب قصصها بضمير المتكلم الذي يعطي للنص القصصي مصداقية اكثر ، ويجعله اكثر من كذبة متفق عليها ، لكن يبقى العنصر الاهم في هذه المجموعة هو الاحساس الحقيقي للكاتبة بالوجع العراقي إلى درجة تمثله ومن ثم صياغته في نص يفيض بالمشاعر الإنسانية في مجموعة ( من صرخات ضميرها ) استنكارا لبشاعة الجرائم التي ارتكبها المحتل بحق الشعب العراقي ، والتي رصدت اشكالا مختلفة منها وقعت على كل خارطة الجسد العراقي ، بل تجاوزت في رصدها احداث الداخل لتوثق معاناة الإنسان العراقي الذي هجر من بلده ، وراح يضمد هموم الغربة بامل العودة ( فابتسم لي البحر واخذ بتكديس ذكرياته معي ، حين طال الحديث فقصر الطريق وصار البحر طفلا يحن علينا ، عواطف تغني : عيد وحب هاي الليلة الناس معيدين . وأنا اصفق . . ننتهي من اغانينا ، تتنفس الصعداء وهي تهمس في اذني : بيني وبينج ماكو غير دجلة آآه يارب يوم بكيت منه . . فلما صرت في غيره . . بكيت عليه ! ) قصب الوجد ص 87 نتمنى ان توقظ صرخة القاصة السعودية بلقيس الملحم باقي ضمائر الادباء ، ليرفعوا اصواتهم بوجه الاحتلال البغيض ويفضحون جرائمه ، وخاصة ادباء البلد الذين تنكروا لمعاناة شعبهم1 وراحوا يخوضون في مواضيع لم تفك قيد معتقل واحد.

 
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤتمر الوطني العراقي
Copyright © 1997-2010 Iraqi National Congress. All rights reserved. info@inciraq.com